محمد بن جرير الطبري

531

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

الناصحين " . قال : فقطعت ( 1 ) حواء الشجرة فدَميت الشجرة . وسقط عنهما رياشهما الذي كان عليهما ، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ، وناداهما ربهما : ( أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ) [ سورة الأعراف : 22 ] . لم أكلتها وقد نهيتك عنها ؟ قال : يا رب أطعمتني حواء . قال لحواء : لم أطعمته ؟ قالت : أمرتني الحية . قال للحية : لم أمرتِها ؟ قالت : أمرني إبليس . قال : ملعونٌ مدحورٌ ! أما أنت يا حواء فكما أدميْتِ الشجرة تَدْمَيْن ( 2 ) في كلّ هلال ، وأما أنت يا حية فأقطع قوائمك فتمشين جريًا على وَجهك ، وَسيشدخ رأسك من لقيك بالحجر ، اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ ( 3 ) . * * * قال أبو جعفر : وقد رُويت هذه الأخبار - عمن رويناها عنه من الصحابة والتابعين وغيرهم - في صفة استزلال إبليس عدوِّ الله آدمَ وزوجتَه حتى أخرجهما من الجنة . وأولى ذلك بالحق عندنا ما كان لكتاب الله مُوافقًا . وقد أخبر الله تعالى ذكره عن إبليس أنه وسوس لآدم وزوجته ليبديَ لهما ما وُري عنهما من سَوآتهما ، وأنه قال لهما : " ما نهاكما رَبكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا مَلكين أو تكونا من الخالدين " ، وأنه " قاسمَهما إني لكما لمن الناصحين " مُدلِّيًا لهما بغرور . ففي إخباره جل ثناؤه - عن عدوّ الله أنه قاسم آدم وزوجته بقيله لهما : إني لكما لمن الناصحين - الدليلُ الواضح على أنه قد باشر خطابهما بنفسه ، إما ظاهرًا لأعينهما ، وإما مستجِنًّا في غيره . وذلك أنه غير مَعقول في كلام العرب أن يقال : قاسم فلانٌ فلانًا في كذا وكذا . إذا سبّب له سببًا وصل به إليه دون أن يحلف له . والحلف لا يكون بتسبب السبب . فكذلك قوله " فوسوس إليه الشيطان " ، لو كان ذلك كان منه إلى آدم - على نحو الذي منه إلى ذريته ، من تزيين أكل ما نهى الله آدم

--> ( 1 ) في المطبوعة : " فعضت حواء الشجرة " ، وأثبتنا ما في المخطوطة وتاريخ الطبري 1 : 54 . ( 2 ) في المطبوعة : " فتدمين " ، وأثبتنا ما في المخطوطة والتاريخ . ( 3 ) الأثر : 752 - في تاريخ الطبري 1 : 54 .